أحمد بن محمد القسطلاني

473

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

ذر ( حتى انتهينا إلى روضة خضراء ، فيها شجرة عظيمة ) زاد في التعبير : فيها من كل لون الربيع ( وفي أصلها شيخ وصبيان ) وفي التعبير : فإذا بين ظهراني الروضة رجل طويل لا أكاد أرى طولاً في السماء ، وإذا حوله من أكثر ولدان رأيتهم قط ( وإذا رجل قريب من الشجرة بين يديه نار يوقدها ) في التعبير : فانطلقنا ، فأتينا على رجل كريه المرآة ، كأكره ما أنت راء رجلاً مرآة ، وإذا عنده نار يحشها ويسعى حولها ( فصعدا بي ) بالموحدة " وكسر العين ( في الشجرة ) التي هي ، في الروضة الخضراء ( وأدخلاني ) بالنون ( دارًا لم أر قط أحسن منها ، فيها رجال شيوخ وشباب ) ولأبي الوقت من غير اليونينية : وشبان ، بنون آخره بدل الموحدة وتشديد السابقة ( ونساء وصبيان ، ثم أخرجاني منها ) أي : من الدار ( فصعدا بي الشجرة ) أيضًا ( فأدخلاني ) بالفاء ، ولابن عساكر ، وأدخلاني ( دارًا هي أحسن وأفضل ) من الأولى ( فيها شيوخ وشباب ) ولأبي الوقت ، من غير اليونينية : وشبان ( فقلت ) لهما ( طوفتماني الليلة ) بطاء مفتوحة وواو مشددة ونون قبل الياء ، ولأبي الوقت : طوّفتما بي بالموحدة بدل النون ( فأخبراني ) بكسر الموحدة ( عما رأيت ؟ قال لا : نعم ) نخبرك . ( أما الذي رأيته يشق شدقه ) ، بضم الياء وفتح الشين مبنيًّا للمفعول ، وشدقه بالرفع مفعول ناب عن فاعله ( فكذاب يحدث بالكذبة ) بفتح الكاف ويجوز كسرها ، قال في القاموس : كذب يكذب كذبًا وكذبًا وكذبة وكذبة ( فتحمل عنه حتى يبلغ الآفاق ) بتخفيف ميم تحمل ، و : الفاء ، في قوله : فكذاب جواب أما لكن الأغلب في الموصول الذي تدخل الفاء في خبره أن يكون عامًا مثل : من ، الشرطية . وصلته مستقبلة ، وقد يكون خاصًّا وصلته ماضية ، كما في قوله تعالى : { وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ } [ آل عمران : 166 ] وكما في هذا الحديث نحو : الذي يأتيني فمكرم ، فلو كان المقصود : بالذي معينًا ، امتنع دخول الفاء على الخبر ، كما يمتنع دخولها على أخبار المبتدءات المقصود بها التعيين ، نحو : زيد فمكرم ، فمكرم ، لم يجز فكذا لا يجوز الذي يأتيني إذا قصدت به معينًا . لكن الذي يأتيني عند قصد التعيين شبيه في اللفظ بالذي يأتيني عند قصد العموم ، فجاز دخول الفاء حملاً للشبيه على الشبيه ، ونظيره قوله تعالى : { وما أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ الله } [ آل عمران : 166 ] فإن مدلول : ما ، معين ومدلول : أصابكم ، ماض . إلا أنه روعي فيه الشبه اللفظي ، فشبه هذه الآية بقوله : { وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ } [ الشورى : 30 ] فأجرى : ما ، في مصاحبة الفاء مجرى واحد . قاله ابن مالك . قال الطيبي في شرح مشكاته : هذا كلام متين . لكن جواب الملكين تفصيل لتلك الرؤيا المتعددة المبهمة ، فلا بد من ذكر كلمة التفصيل ، كما في البخاري أو تقديرها ، أي : فالفاء جواب أما ( فيصنع به ما رأيت ) من شق شدقه ( إلى يوم القيامة ) لما ينشأ عن تلك الكذبة من المفاسد . ( و ) أما ( الذي رأيته يشدخ رأسه ) بضم الياء وفتح الدال من : يشدخ مبنيًّا للمفعول ، ورأسه نائب عن الفاعل ( فرجل علمه الله القرآن ، فنام عنه بالليل ) أي : أعرض عن تلاوته ( ولم يعمل فيه بالنهار ) ظاهره أنه يعذب على ترك تلاوة القرآن بالليل ، لكن يحتمل أن يكون التعذيب على مجموع الأمرين : ترك القراءة وترك العمل . ( يفعل به ) ما رأيت من الشدخ ( إلى يوم القيامة ) لأن الإعراض عن القرآن بعد حفظه جناية عظيمة ، لأنه يوهم أنه رأى فيه ما يوجب الإعراض عنه ، فلما أعرض عن أفضل الأشياء عوقب في أشرف أعضائه وهو الرأس . ( و ) أما الفريق ( الذي رأيته في الثقب ) بفتح المثلثة ، ولأبي الوقت : في النقب ( فهم الزناة ) وإنما قدر بقوله : وأما الفريق ، لأنه قد يستشكل الأخبار عن الذي بقوله : هم الزناة ، لا سيما والعائد على الذي من قوله والذي رأيته لا يخفى مفردًا ، فروعي اللفظ تارة ، والمعنى أخرى . قاله في المصابيح . ( و ) الفريق ( الذي رأيته في النهر أكلو الربا ، والشيخ ) الكائن ( في أصل الشجرة إبراهيم ) الخليل ( عليه السلام ) وقدر بالكائن لأن الظاهر كون الظرف ، أعني : في الشجرة صفة للشيخ ، فيقدر عامله اسمًا معرفًا لذلك رعاية لجانب المعنى ، وإن كان المشهور تقديره فعلاً أو اسمًا منكرًا . لكن ذلك إنما